قلم: عضو مجلس النواب خليل المرزوق (خاص بـ مجالسكم.كوم)
خلال الشهرين المنصرمين كان هناك غربلة حقيقية لجميع برامج المترشحين النيابيين، سواء كانوا مستقلين او جمعيات. وكان الهدف المرجو من هذه الغربلة هو أن يتعرف الناس على حقيقة و جدية كل مرشح او جمعية فيما سيقدمونه للوطن، كون انه من المفترض ان المجلس النيابي يراد له ان يلعب دورا مهما على صعيد التنمية والانجاز من خلال التشريع والرقابة وتوجيه الحكومة فيما يخدم مصلحة المواطنين، رغم ان الكل يعرف و يعترف ان البرلمان بأدواته وهيكلته، اضافة الى ما آلت اليه التركيبة النهائية، لا يمكن له أن يقدم او يؤخر كثيرا مالم ترد الحكومة ذلك، الا ان نرى حراكا مغايرا للتكتل الموالي، وهو ما نرجوه ونحلم به.
وكان للصحافة والصحفيين دور بارز في نقد البرامج، وهو جهد يشكرون عليه، بل هو واجبهم، مساهمة منهم في الغربلة وكشفا لفضفاضية هذه البرامج اوجديتها وعما اذا كان هناك ادوات فعلية لتجد لها حيزا من الواقعية او ترى النور حقا.
الا أن البعض اللآخر راح يتشفى و"يتطرف" في النقد والانتقاد نكاية بهذا أو ذاك، مستقل كان أو جمعية، اما لمسبقات ذهنية أو لاختلاف في الرأي والتوجه ومبدأية الموالاة والمعارضة. فقد هاجمت احدى الشخصيات الصحفية "الكبيرة" برنامج احدى الجمعيات "الكبيرة" خصوصا الجانب الاقتصادي زعما منها أنه لم يتجاوز السطرين، رغم أنه كان مسطرا في عشر صفحات في الشأن الاقتصادي فقط،، وناكف آخر نفس الجمعية في مبادئها التي ارستها لعملها البرلماني وأخذ يحاكم النوايا ويسقط المبادئ تبعا كسقوط قطع الدومينو، وآخرين لم يبقوا ولم يذروا في نقد وانتقاد وتكسير وتسفيه برامج الجمعيات والمستقلين، بذنب أو غير ذنب، بفهم أو غير فهم، وقلنا هو حقهم ما داموا مخلصين ناصحين، وليس من حقهم ان كانوا مغرضين!
وها نحن اليوم امام الامتحان الحقيقي، امام اثبات النصح والاخلاص، فقد عرضت الحكومة برنامجها يوم الأربعاء 19 ديسمبر، وياله من برنامج- لن اعلق عليه الآن، هو لأربع سنوات قادمة، هو الذي سينفذ على الواقع، هو الذي سيحل المشكلات، هو الذي سيرتقى بالاوضاع- المعيشية والسياسية والاقتصادية و و و- هو الذي سينقل البحرين من موقع للاخر، هو الذي سيقدم ولا يؤخر، هو الذي سينبئ عن الحراك السياسي سلبا او ايجابا، هو الذي سيجعل من البرلمان صديقا أو خصما، هو الذي سيجعل من جل البرامج الانتخابية حقيقة او وهما، هو المحور وهو الجوهر! فهل ينال قسطه من الغربلة كما نالت البرامج الانتخابية!
من الطبيعي أن يكون للمؤسسات التشريعية والرقابية (البرلمان والشورى) الدور الأبرز، لما لها من مسئولية أولية ودستورية، وان كان في مبتدأها برفع الملاحظات وفي استمراريتها في توجيه الاسئلة والاستجوابات، الا انه من الطبيعي ايضا أن يكون للجمعيات السياسية، والمهنية، والمؤسسات الأهلية المختلفة دور في نفس هذا النقد والتوجيه لبرنامج الحكومة لانه يمسهم ويمس من يمثلونهم أو يعملون لخدمتهم.
ومن نفس المنطلق للسلطة الرابعة نفس الدور ان لم يكن دورا أكبر، حيث انها السلطة التي تنقل الرأي والمعلومة، بل تصيغ الرأي والمعلومة، فعندما تغربل الصحافة الوعود الانتخابية تصيغ وعيا، وعندما تمتدح البرنامج الحكومي أو تغفله فانها ايضا تصيغ وعيا وتنقل معلومة، وعليها مسئولية امانة صياغة هذا الوعي ونقل هذه المعلومة!
قرأنا البرامج الانتخابية وغربلناها في الشكل والهيكلة، في استراتيجيتها وتكتيكاتها، في شموليتها وقصورها، وقرأنها في ملامستها الواقع والحاجات والهموم والتطلعات، وقرأناها في مقاربتها للوحدة الوطنية وافتراقها، وقرأناها في التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة -في كل الابعاد، وقرأناها في كيف ستنقلنا الى بحرين الغد، وما ذا ستقدم لقطاعات المجتمع، وقرأناها في "صداميتها" للحكومة و"موالاتها" لها، وقرأناها في حركاتها وسكناتها، وحاكمناها في نواياها- ما خفي منها وما ظهر، ولا زلنا نتتبعها لحظة بلحظة - لمن فازوا، فهل سنقرأ البرنامج الحكومي كما قرأنا البرامج الانتخابية، او انه فوق القراءة وتحت الغربلة، واذا كانت البرامج الانتخابية وعود فضفاضة، فماذا عن البرامج الحكومية!!!!