قلم: عضو مجلس النواب خليل المرزوق (خاص بـ مجالسكم.كوم)
الانطباع الأول، مفهوم متداول عند الكثير من الناس، سياسيون، تجار، حرفيون، مهنيون، او اناس عاديون. وكثير من الناس يعول عليه في الحكم المسبق على الأمور فيخطئ من يخطئ، وهم كثر –خصوصا السطحيون، ويصيب من يصيب، وهم قلة –وهم المتروون. فالمسألة ليست بهذه السهولة في حسم الأمور وان كان مفهوم الانطباع الأول له نصيب من الشياع.
لذا قد اتفهم من استعجل تشخيص المشهد الأول من الحياة النيابية الجديدة وأخذ ينعتها بأقسى النعوت اويحلل مجرياتها ومستقبلها بناء على انطباعه الأول، كما يمكن توقع ما يمكن أن يدلي به من تعود الاصطفاف مع الموقف الرسمي بشدة طُلِب منه ذلك ام ابتدأه تطوعا منه ابتغاء زيادة التقرب واثباتا للولاء. في الوقت نفسه اشيد بمن شخص الامر بعمق اكبر وبفهم اوسع وبتوازن عقلاني، وان كانوا قلة الا انهم مرتكز مهم في المشهد لايقل دورهم عن اللاعبين الاساسيين، لكن يجب التنبيه للمتطفلين الذين لن يخدموا الا في تأزيم الموقف فما ينفثونه من سموم لا تخدم الوطن ولا العملية الاصلاحية كما يتوهمون أو يزعمون بل يحملون الموقف، اي موقف، أكبر من حجمه الحقيقي، وينقلونه من التدافع السياسي السلمي المغلق، الى المفتوح على ابعاد أخرى قد تنفلت معها الأمور، بغية الصاق هذا الانفلات بهذا الطرف او ذاك من قوى المعارضة.
المشهد الأول بدأ باحتجاب كتلة الوفاق عن الجلسة الأولى الافتتاحية وما يعقبها من جلسة اجرائية لانتخاب أهم مناصب في المجلس المنتخب، وأهميتهما تتلخص في كون الاولى هي خطاب لرأس الهرم السياسي في الدولة، والثانية هي الاجراء القانوني للتنصيب. اي ان لها بعدان، البعد السياسي وبعد شرعنة التنصيب، ورسالة الاحتجاب هي ايضا من شقين، شق سياسي وشق قانوني، ولا تمس بأي حال من الأحوال شخص جلالة الملك او العلاقة معه، أو الكتل الأخرى بما هي كتل، وهو ما أكده مرارا رئيس الكتلة سماحة الشيخ على سلمان والآخرون في الكتلة.
فالحوار السياسي كان مع من يملك مفاتيح الهيكلة السياسية وطبيعي جدا ان تستخدم أداة سياسية، سلمية حضارية، لتصحيح وضع سياسي اقل ما يقال عنه أنه يتجاهل باستمرار كل دعوات التصحيح، فما توافقنا عليه من مملكة دستورية يعني - وان بالتدرج- توسيع المشاركة الشعبية في ادارة دفة العملية السياسية التشريعية والرقابية والتنفيذية من قبل الشعب و قواه، وتوسيع الصلاحيات ايضا، ولكن المشهد العام والرسالة الأخيرة كانت مفادها ان هذا حلم بعيد المنال، فتشكيل الوزارة يعطي رسالة واضحة اننا نتجه باتجاه الملكية المطلقة حيث ان تمثيل العائلة المالكة في الوزارة يعد الأكبر على الاطلاق في تاريخ البحرين الحديث.
والرسالة الأخرى التي حملها اعادة توزير وزير التأزيم وعضو مجلس الشورى، وفي نفس المواقع ايضا، رغم كل التطمينات للقوى السياسية وللرموز العلمائية و الوطنية، بأن العملية تأخذ مجراها الطبيعي من التحقيق الذي لا تعرف لا الانس ولا الجن عنه شيئا الى الآن، لا يمكن أن تفهم الا ان النهج هو ذات النهج ومشروع الاقصاء ماض في توسيع الهوة بين الحاكم و المحكوم. فاذا كان التقرير المشئوم يحذر من ضرب الوحدة الوطنية، فأقل ما يمكن فعله هو ابعاد من وردت اسماؤهم فيه الى ان تنجلى الحقائق، واذا كانت المعارضة مطالبة بعدم التصادم و الانفتاح، فما الذي تسعى اليه هذه الخطوة، اهي المصالحة أم التصادم! أي من يدير الأمور لتنتهي بالتصادم، السلطة ام المعارضة!
واذا كانت رسالة الحضور للجلسة الأولى هي قبول- وان مع الاكراه- للشق السياسي، فرسالة الاحتجاب هي عدم القبول السياسي سعيا للتصحيح ولا تحمل ابعد من ذلك. وان كان حضور الجلسة الاجرائية هو قبول بشرعنة التنصيب الموجه وان بأدواة "انتخابية" فان الاحتجاب رسالة احتجاجية ايضا لا تقل شرعية عن ذات الحضور.
المشهد الأول حرك من قبل السلطة ليكون "صداميا" من يومه الأول لترمى به المعارضة، وكتلة الوفاق تحديدا، وبأنها غير جادة في المشاركة الايجابية، ومن يقرأ غير ذلك فليعذرنا في تعمقه في فهمه للمشهد الأول ومن يديره، مباشرة او بلاعبين بالواسطة وبأدوات تعودنا عليها.
ما لم نتعود عليه هو اننا امام استحقاق مشاركة ستستخدم فيها كل الأدوات السياسية، من قبل المعارضة و السلطة على حد السواء، وفي كل مرة سيصور المشهد على أنه موقف تصادمي من كتلة الوفاق، فقط لانها اما ان تكون مسايرة كما يريدونها هم او انها تتحمل ان توصم بأنها صدامية او غير جادة في المشاركة الايجابية! فأعيدوا قراءة المشهد الأول لانه سيتكرر!